مؤلفات البطريرك يوسف العبسيّ

أمّا أنا فأقول لكم

            

أركـان العبـادة المسـيحيّة

 

الحياة الجديدة

من المعلوم أنّ لكلّ دين عبادات وأنّ من بين هذه العبادات ما هو أعظم من غيره اصطُلِح على تسميته أركانًا.

إنّ أركان العبادة في المسيحيّة هي الصوم والصلاة والصدقة والحجّ والجهاد (المجاهدة)، وقد تكلّم متّى الإنجيليّ عن الثلاث الأولى منها بنوع خاصّ (6: 1-18)، فيما نستخلص الركنين الباقيين من العهد الجديد بنوع عامّ.

أرغب أوّلاً في أن أقدّم لهذه الأركان الخمسة معًا بكلمة عمّا نستطيع أن نسمّيه الحياة الجديدة التي دعا إليها السيّد المسيح، وهي من وحي الفصل الخامس من إنجيل متّى.

مبادىء أو شرعة الحياة الجديدة

حين نتكلّم عن مبادىء أو شرعة  الحياة الجديدة نتكلّم  عن الروح  التي تحيي الأركان أو العبادات التي نحن بصددها. ليس الإنجيل كتاب شريعة. إنّ المسيح لم يترك لنا مجموعة ولا لوائح من الفرائض ومن المحرّمات كما ترك غيره، بل ترك لنا أمرًا واحدًا أو بالحريّ لنقل هدفًا واحدًا بقوله لنا: “أنتم، كونوا كاملين كما أنّ أباكم السماويّ كامل” (متّى 5 : 48). هذا ما يطلبه  أيضًا بولس الرسول لأهل كورنثس إذ يقول لهم: “إنّ ما نطلبه لكم في الصلاة هو أن تكونوا كاملين” (2كور 13:9). ومن هذا الأمر- الهدف يستوحي ويوجّه المسيحيّ مسلكه في علاقته مع الله ومع القريب ومع ذاته.

وبالإضافة إلى الأمر بالكمال أوصانا السيّد المسيح بالمحبّة التي هي بمثابة الوسيلة أو الطريقة التي توصلنا إلى الهدف: “هذه وصيّتي لكم: أحبّوا بعضكم بعضًا كما أحببتكم أنا… فأنتم أحبّائي إذا عملتم بما أوصيكم به… فما أوصيكم به أن يحبّ بعضكم بعضًا” (يوحنّا 15 : 12-17). ويعقّب الرسول بولس على هذه الوصيّة ويشرحها بقوله: “إنّ من أحبّ القريب قد أتمّ الناموس. فإنّ [هذه الوصايا]:  ’لا تزن، لا تقتل، لا تسرق، لا تشهد بالزور، لا تشته‘، وكلّ وصيّة أخرى، تلخّص في هذه الكلمة: ’أحبب قريبك كنفسك‘. إنّ المحبّة لا تصنع بالقريب شرًّا؛ فالمحبّة إذن هي تمام الناموس” (روم 13: 8-10)، و”كونوا بالمحبّة خدّامًا بعضكم لبعض، لأنّ الناموس كلّه يُتمّم في هذه الوصيّة الواحدة: أحبب قريبك كنفسك” (غلا 5: 13-14). وحين يتوسّع بولس في الكلام عن “الأخلاق المسيحيّة” نراه يتكلّم عمّا يسمّيه ثمار الروح التي هي نقيض لثمار الجسد (غلا 5: 16-25)، وعمّا يسمّيه أعمال النور التي هي نقيض لأعمال الظلمة (روم 13: 12-14).

لكنّ يسوع المسيح لم يكتف بأن أمرنا بالكمال على مثاله، بل أعطانا بعض الأمثلة عن تصرّف الكاملين أو الذين يسعون إلى الكمال إزاء الآخرين. يقول: “إنّ من غضب على أخيه يستوجب القضاء. ومن قال لأخيه ’رقا‘ يستوجب حكم المجلس. ومن قال ’يا معتوه‘ يستوجب جهنّم النار…ومن نظر إلى امرأة في شهوة فقد زنى بها في قلبه…ومن حلف فهو من الشرّير… لا تقاوموا الشرّير. بل من لطمك على خدّك الأيمن فقدّم له الآخر أيضًا…ومن سخّرك لميل واحد فامض معه ميلين… أحبّوا أعداءكم…” (متّى 5:21-48). إنّ هذه الأمثلة على سلوك الكاملين أو الساعين إلى الكمال تبيّن لنا أنّ يسوع المسيح حين عدل عن إعطاء شريعة على الطريقة اليهوديّة والطرق المشابهة لها، ما فعل ذلك إلاّ لأنّه كان متطلّبًا أكثر. لم يرد أن يضع بالشريعة حدًّا للسلوك البشريّ بل أراد أن يجعل من الكمال أفقًا لهذا السلوك. على هذا النحو لا يعود المسيحيّ يقول مثلما قال الشاب الغنيّ: “كلّ هذا قد حفظته منذ صباي” (مرقس 10: 20)، بل يقول، مهما فعل، إنّي عبد بطّال، أي إنّي مهما فعلت فأنا دون المطلوب منّي وتعوزني دومًا بعد واحدة.

وكذلك القدّيس بولس أعطى هو أيضًا أمثلة عن تصرّف المحبّين أو الذين يسعون إلى المحبّة إزاء الآخرين، تلك المحبّة التي وصفها بأنّها “رباط الكمال” (كول 3: 14). يقول: “المحبّة تتأنّى وترفق؛ المحبّة لا تحسد؛ المحبّة لا تتباهى ولا تنتفخ؛ لا تأتي قباحة ولا تطلب ما لنفسها؛ لا تحتدّ ولا تظنّ السوء؛ لا تفرح بالظلم بل تفرح بالحقّ؛ تتغاضى عن كلّ شيء، وتصدّق كلّ شيء، وترجو كلّ شيء، وتصبر على كلّ شيء” (1كور 13: 4-7).

هكذا تبدو حقًّا “الشريعةُ الجديدة نعمةَ الروح القدس المعطاة للمؤمنين بالإيمان بالمسيح” (التعليم المسيحيّ الكاثوليكيّ، رقم 1966). وهكذا “تتمّم الشريعةُ الإنجيليّة وصايا الشريعة. إنّ الخطبة على الجبل هي أبعد من أن تلغي وتقلّل من قيمة رسوم الشريعة القديمة بل تبرز إمكاناتها المخفيّة وتبعث متطلّبات جديدة…إنّ الإنجيل يقود على هذا النحو الشريعة إلى كمالها بالاقتداء بكمال الأب السماويّ، وبمسامحة الأعداء وبالصلاة من أجل المضطهِدين، على غرار الكَرَم الإلهيّ” (التعليم المسيحيّ الكاثوليكيّ، رقم 1968).

تطبيقات عمليّة

إنسجامًا مع الأمر بالكمال والوصيّة بالمحبّة لم يسنّ إذن لنا الربّ يسوع ناموسًا “على طريقة موسى” أو غيره، أي لم يسنّ نظامًا أو قانونًا شاملاً لكلّ ميادين الحياة وملزمًا بالحرف، بل علّمنا كيف نحيي من الداخل، كيف “نروحن”، كيف نجعل كاملاً كلّ عمل نقوم به، بالنظر إلى بنيان أنفسنا وبنيان الآخرين في السعي إلى الكمال وبغضّ النظر عن إلزاميّة هذا العمل أو لا إلزاميّته. يقول الربّ يسوع، على سبيل المثال: “وأمّا أنت فمتى تصدّقت فلا تعرف شمالك ما تصنع يمينك، لكي تكون صدقتك في الخفية، وأبوك الذي يرى في الخفية هو يجازيك…ومتى صلّيت فصلّ لأبيك الذي هو هناك في الخفية… وصلّ هكذا:  ’أبانا… ‘… وإذا صمت فطيّب رأسك، واغسل وجهك لكي لا يظهر للناس أنّك صائم بل لأبيك الذي في الخفية. وأبوك الذي يرى في الخفية هو يجازيك ” (متّى 6 : 1-18) . وقد لامه الفرّيسيّون على أنّه لا يغسل يديه قبل الطعام، فيما يسعى هو إلى غسل القلوب بالمحبّة والغفران.

ويعقّب الرسول بولس على قول المسيح معلّمه ويشرحه ويفصّله. يقول: “من يأكل [من كلّ شيء] فللربّ يأكل، لأنّه يشكر الله، ومن لا يأكل فللربّ لا يأكل، وهو أيضّا يشكر الله…إنّي عالم ومتيقّن في الرب يسوع أنّه ما من شيء نجس في ذاته؛ بيد أنّ من يحسب شيئًا نجسًا فله يكون نجسًا. فإن كان أخوك يغتمّ من أجل طعام، فلست تسلك بعد بحسب المحبّة. فلا تهلك بطعامك من لأجله مات المسيح… فلنتبع إذن ما هو للسلام، وما هو لبنيان بعضنا بعضًا… لا جرم أنّ كلّ شيء طاهر، بيد أنّ الإنسان يسيء العمل إذا ما أكل بمعثرة… فليرض كلّ واحد منّا القريب للخير، لأجل البنيان” (روم 14: 5-15: 2) .

وفي الواقع فإنّ الربّ يسوع، بالرغم من أنّه كان يصوم ويصلّي ويصنع الخير، كما يخبرنا الإنجيل، لم يشأ أن يضع لهذه الممارسات تشريعًا وحدودًا: متى وكيف وكم ومَن. بل نستنتج من الإنجيل أيضًا أنّ الرسل قليلاً ما كانوا يصلّون ويصومون، وقد لام البعض يسوع على ذلك، فاكتفى بأن أجاب إنّهم سوف يصومون متى يرفع العريس عنهم (متّى 9 :14-15)، أي يتدبّرون ساعتئذ بأنفسهم ما هو من أمر الصوم. كما أنّه هو نفسه عاتب رسله كيف لم يقدروا أن يسهروا ويصلّوا معه ساعة نزاعه في بستان الزيتون ونبّههم، يوم جاءوا يخبرونه بأنّهم لم يتمكّنوا من إخراج الشيطان، إلى أنّ هذا الجنس لا يخرج إلاّ بالصوم والصلاة (متّى 17: 14-21). وبالرغم من ذلك لم يأمرهم أو يلزمهم بتشريع كما فعل موسى أو غيره ممّن سبقوه أو لحقوه.

إنّ ما يفسّر موقف الربّ يسوع هو أنّه لم يأت ليؤسّس دينًا، كما فعل غيره (“اليوم أكملت لكم دينكم”)،  بل جاء يعلن بشرى الخلاص، إنجيل الملكوت، جاء يعلن محبّة الله لجميع الناس وصفحه عنهم، جاء يعلن أنّ الله هو أبوهم وأنّهم هم أبناؤه، ولم يشأ أن يتبعوا شريعة أو كتابًا بل أن يتبعوه هو النور والطريق والحقّ والحياة وأن يكونوا له تلاميذ: “تعالوا إليّ يا جميع المتعبين تحت ثقل أحمالكم وأنا أوتيكم الراحة . خذوا نيري عليكم وتتلمذوا لي، لأنّي وديع ومتواضع القلب، فتجدوا الراحة لنفوسكم. أجل إنّ نيري ليّن وحملي خفيف” (متّى 11: 28-30). ولمـّا جاء إليه شابّ غنيّ يسأله ماذا يعمل ليرث الحياة الأبديّة قال له  احفظ الوصايا، لكنّه أردف: “إن شئت أن تكون كاملاً فاذهب وبع مالك ووزّعه على المساكين وتعال اتبعني”. وإذا كان موسى صعد إلى جبل سيناء وعاد بلوحي الشريعة، فإنّ المسيح صعد إلى جبل حرمون وكشف عن وجه الله الحقيقيّ: إنّه أب: “هذا هو ابني”.

لكن ربّ سائل: أليس عندنا نحن المسيحيّين شريعة، وصايا ومبادىء أخلاقيّة ؟ أجل عندنا كلّ هذه، إلاّ أنّنا لا نبدأ نحن بالوصيّة لننتهي في الله، لا نرتقي من الشريعة أو بالشريعة إلى الله، بل نبدأ من الله الذي يحبّنا محبّة الأب لأولاده، نبدأ من الله الذي منه وُلدنا، ونعبّر من ثمّ عن حبّنا له وعن بنوّتنا بمسلكنا أو بما نسمّيه الشريعة والوصيّة. ليست الوصيّة هي التي تقودني إلى الله، بل عندما أرى محبّة الله لي أرى الوصيّة على ضوئها: “إنّ لطف الله يدعوك إلى التوبة” (روم 2: 4). من هنا القول المأثور الذي قاله القدّيس أوغسطينوس أحد الذين خبروا حبّ المسيح في العمق: “أحبب وافعل ما تشاء”.

أجل إنّ الإيمان بإله أب محبّ مخلّص هو أساس العبادة في المسيحيّة، وهو الذي يطلبه السيّد المسيح: آمن فيكون لك ما تريد. وما العبادة وما الدين إلاّ مظاهر وتعابير عن الإيمان، ترك لنا الربّ يسوع أن نحدّدها نحن بأنفسنا بوحي ممّا ترك لنا من أقوال وأظهر لنا من أفعال. وليست مشيئة الله أن يخضعنا لشريعة فيربّينا ويهذّبنا بها، بل أن يُحدِث في كلّ واحد منّا ولادة ابن له وأن ينفخ في كلّ واحد منّا روح محبّته الذي هو روح التبنّي. إنّ الله يرى في كلّ واحد منّا إمكانيّة لنشوء محبّة، إمكانيّة لولادة كائن جديد يولد لحياة حرّة، إمكانيّة لولادة ابن مدعوّ إلى الدخول والمشاركة في حياة الثالوث الأقدس. إنّ الوصاية ولّت (غلا 4: 1-7) وحلّت محلّها البنوّة والنعمة: “فأنتم إذن بالنعمة مخلَّصون بواسطة الإيمان. وهذا [الخلاص] ليس هو منكم بل عطيّة من الله” (أف 2: 8)؛ “أنا لا أستهين بنعمة الله، لأنّه إن كان البرّ يحصل بالناموس، فالمسيح إذن مات لغير علّة” (غلا 2: 21).

لذلك فإنّ الأمر الأهمّ والأوّل لكلّ إنسان هو أن يعرف أنّ له إلهًا أبًا يحبّه، ويحبّه محبّة عظيمة بحيث إنّه بذل في سبيله ابنه الحبيب والوحيد، ليس للتكفير عنّا وحسب، بل حتّى ليكاد يبدو لنا أنّه فضّلنا على ابنه: “ماذا نزيد على ذلك ؟ إذا كان الله معنا فمن علينا؟ هو الذي لم يشفق على ابنه الخاصّ، بل أسلمه عنّا جميعًا، كيف لا يهبنا أيضًا معه كلّ شيء” (روم 8: 31-32). في إطار هذه المحبّة الإلهيّة لا تبدو الخطيئة تعدّيًا على وصايا بقدر ما تبدو ابتعادًا عن الله الآب، عن البيت الأبويّ.

وقد يكون من المفيد أن نشير هنا إلى أنّ الدين، لكونه تعبيرًا عن الإيمان، هو عنصر من عناصر الحضارة. ولمـّا كان الدين المسيحيّ مؤسّسًا على الإيمان بإله محبّ يدعو إلى المحبّة، ففي وسعنا وصفه بدين المحبّة ووصف الحضارة التي يسهم في إنشائها أو يدعو إليها بأنّها حضارة المحبّة.

أخيرًا لابدّ من الإشارة إلى أنّ أركان العبادة المسيحيّة مرتبطة بعضها ببعض، ويستدعي بعضها بعضًا ولا يقوم أو يصحّ ركن منها إلاّ مع بقيّة الأركان كما سنرى لاحقًا.

البطريرك يوسف العبسيّ

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى