مؤلفات البطريرك يوسف العبسيّ

ها أناذا آتي

لقاءات إنجيليّة

“لقاءات إنجيليّة” كتيّب يدعو إلى التأمّل في بضعة لقاءات حصلت بين يسوع وأشخاص من الناس الذين نصب خيمته في ما بينهم وتردّد بينهم. هي لقاءات فرديّة لكنّها في الواقع أوجه متنوّعة للّقاء الأوّل الواسع الذي حصل بين الله والإنسان في شخص يسوع، حين “صار الكلمة جسدًا وسكن في ما بيننا” (يوحنّا 1: 14). لقاءات تُظهر أنّ اللقاء بين الله والإنسان ليس لقاء بينه وبين كتلة بشريّة جامدة لا شكل لها، بل بين الله وأشخاص لكلّ منهم فرادته، عواطفه وأحاسيسه وأفكاره وأحلامه.

في إيمان الكتاب المقدّس نقطة جوهريّة هي أنّ حياة الإنسان تزول حين ينقطع اللقاء بينه وبين الله، فكانوا لا يتوقّفون عن الدعاء إلى الله أن لا يصرف وجهه عنهم فيموتوا. أمّا الله فما قطع يومًا اللقاء، والكتاب المقدّس تاريخ لمبادراته تجاه الإنسان للإبقاء على هذا اللقاء.

لقاء الله والناس ابتدأ مع ابتداء الزمن ويمتدّ إلى أن يصير الله كلاًّ في الكلّ بيسوع (1كور 15: 28)، فنراه حينئذ وجهًا إلى وجه (1كور 13: 12).  أمّا يسوع الإنجيلِ فقد ابتدأ لقاءاتِه منذ ولادته حيث التقى مريم ويوسف، وتقدمته إلى الهيكل حيث التقى سمعان الكاهن وحنّة ابنة فنوئيل، وزيارته للهيكل حيث التقى علماء الناموس… إلى اللقاء الوداعيّ مع تلاميذه على جبل الزيتون قبيل صعوده إلى السماء.

نسجت اللقاءات حياة يسوع كلّها. ما كان عنده موضع يسند إليه رأسه (متّى 8: 20) لأنّ هذا الموضع كان الإنسان. لم يكن عنده “حياة خاصّة” لأنّ حياته كانت أن يعمل ما دام النهار (يوحنّا 9: 4)، ما دام الناس في حاجة إلى لقائه ورؤيته (يوحنّا 12: 21)، ما دام الناس في حاجة إلى أن يعرفوا الله الحقيقيّ (يوحنّا 17: 3، 26). كان الوقت لذلك قصيرًا فما كان يستطيع أن يضيّعه. كان عليه أن يلاقي الناس مهما يكن، أَذَهَبَ هو إليهم أم أتوا هم إليه. لم يدع شيئًا أو أحدًا يصدّه عن الذهاب إلى الناس ولم يدع شيئًا أو أحدًا يصدّ الناس عن المجيء إليه. حتّى الخطيئة بشتّى أشكالها وأقوى مظاهرها ما كانت لتنتصب حاجزًا بينه وبين الناس.

لم يكن لقاء يسوع والناس مجرّد لقاء ينفضّ من دون ثمر. كان ثمره الخلاص. وعناصر الخلاص هذا كانت ثلاثة: الحياة والسلام والفرح، يحصل عليها كلّ من يلاقي يسوع: “إلى من نذهب يا ربّ؟ إنّ عندك كلام الحياة الأبديّة” (يوحنّا 6: 68)، “امضي بسلام” (مر 5: 34)، “لنفرح لأنّ ابني هذا كان ميتًا فعاش” (لوقا 15: 24)، “افرحن معي لأنّي قد وجدت الدرهم الذي ضاع” (لوقا 15: 9). من أجل ذلك في وسعنا أن نعدّ لقاء يسوع احتفالاً وعيدًا.

نحن محفوفون بالعواصف والمهالك من كلّ جهة، حياتنا مهدّدة وسلامنا مهشَّم وفرحنا منغَّص. لكنّ يسوع إلى جانبنا، عينه وقلبه علينا، ينتظر التفاتة منّا لنعيّد معًا. إذا أردنا خلاصًا فلنذهب إلى لقياه ولنصرخ إليه: “يا ربّ نجّنا، فقد هلكنا” (متّى 8: 25). نحن عميان نسير على غير هدى نريد أن نرى؟ فلنلتجئ إلى يسوع: “يا يسوع ابن داود ارحمني” (لوقا 18: 38). نحن في وحدة قاتلة نريد أن ننتعش؟ فلنطلب إلى يسوع: “أقم معنا” (لوقا 24: 29). نحن تعبون من الحياة نريد أن نستريح؟ فلنقل ليسوع: “تعال أيّها الربّ يسوع” (رؤ 22: 20). ولنكن على يقين أنّه آت للقيانا: “إنّي آتٍ” (رؤ 22: 20). “ها أنذا آتي وأشفيه” (متّى 8: 7). فلنذهب إلى ملاقاة يسوع لأنّنا عندئذ، إذا ما “اندرأ النهر” على بيتنا “لا يقدر أن يزعزعه لأنّه محكم البناء” (لوقا 6: 47-48). فلنخرج إلى ملاقاة يسوع لأنّنا عندئذ، إذا ما وافى، ندخل معه إلى فرح الملكوت (متّى 25: 1-13).

البطريرك يوسف العبسيّ

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى