أخبار البازيليك

كتاب بازيليك القدّيسة مريم المزيّنة في روما

مرآة جمال الله

Basilica di Santa Maria in Cosmedin
Basilica di Santa Maria in Cosmedin

تحية افتتاحية

بمناسبة تقديم كتاب: بازيليك القدّيسة مريم المزيّنة في روما في الجامعة الغريغوريّة الحبريّة.

أعرب عن عميق امتناني للجامعة الغريغوريّة الحبريّة، وخصوصاً لكليّة التاريخ والتراث الثقافيّ للكنيسة، متمثلةً في شخص عميدها البروفيسور الأب بول أوبرهولزر اليسوعيّ، الذي استقبل ودعم ببعد نظر هذا التحدي العلميّ.

إنّها لحظة من الفرح العميق والفخر أن نرى هذا العمل قد اكتمل أخيراً. إنّ تقديم دليل بازيليك القدّيسة مريم المزيّنة في روما، الذي أشرفت عليه البروفيسورة ليا باريلي، لا يمثّل مجرد نشر مجلد فقط، بل هو تتويج لمسيرة من الإيمان والفنّ والتفاني الأكاديميّ.

“كوسميدين”: جعل المكان “مزخرفاً وجميلاً”

منذ بداية مهامي في المدينة الخالدة عام 2018، رغبتُ بشدة، بالتعاون مع الدكتور رند أبو عقل، في إعادة تنظيم أرشيف البازيليك وفهرسة كلّ مقتنياتها. لقد شعرت بمهمة محدّدة وهي تكريم اسم هذا المكان المقدس: لجعله حقاً “مزخرفاً وجميلاً” كما تعني كلمة Κοσμεντίν (كوسميدين) ذاتها. علاوة على ذلك، أردت أن أجعل منها نقطة مرجعيّة نابضة بصفتها مقراً للوكالة البطريركيّة لكنيسة الروم الملكيين الكاثوليك لدى الكرسي الرسوليّ.

الأرشمندريت د. شحادة عبود
الأرشمندريت د. شحادة عبود

أتوجه بخالص شكري إلى “الثيوتوكوس”، والدة الإله: فإليها يعود الفضل في نعمة تيسير اللقاء بالدكتورة فرانشيسكا ماتيرا. هذه الأخيرة، وخلال عمليّات الترميم الدقيقة للأيقونة الموضوعة فوق مذبح الجوق الشتويّ في البازيليك، كشفت عن هوية كاتب الأيقونة، المعلم جيوفاني بياشيري. وكانت الدكتورة ماتيرا، بحدسها الموفق، هي من اقترح إشراك البروفيسورة باريلي، مما أطلق شرارة هذا التعاون المثمر والراقيّ.

اعتراف بواجب التقدير الأكاديميّ

وأخص بتقدير صادق كلّ الذين أغنوا هذا العمل بتقديم مساهماتهم وفقاً لاختصاصاتهم الأكاديميّة. وأوجه امتناني للأساتذة: ميكيلي أشوتي، أوتافيو بوكاريلي، سابينا كاربونارا، آنا كافالارو، روبرتا فلامينيو، أليساندرا غويليا، رافاييلي بولييزي، وأليساندرو تاديي. إن هذا ليس مجرد تقدير أكاديميّ، بل هو اعتراف واجب تجاه مَن عرفوا كيف يكونون حراساً ومترجمين للجمال.

من خلال صفحات هذا الدليل، تبرز تضافر استثنائي للخبرات: من دقة التحليل الأثريّ إلى عمق القراءة التاريخّية والفنيّة. كلّ مساهمة تعكس تفانياً يتجاوز مجرّد النشر العامّ. في مكان يبدو فيه الزمن طبقات متراكمة، بين تناغم فسيفساء “الكوزماتي” والأناقة الرصينة لهياكل العصور الوسطى، نجح هؤلاء الباحثون في رسم مسار تفسيريّ يقود الزائر من المرئي إلى غير المرئي.

التوثيق الأيقونيّ والسنة اليوبيليّة

وقد ازدان العمل بمجموعة أيقونية رفيعة من خلال الصور والرسوم التوضيحيّة التي اعتنى بها كلّ من: بييرو غاليفي، ليا باريلي، سيلفيا ميرلو، ميكيلي أشوتي، إنريكو فونتيلان، روبرتا فلامينيو، سنان قريو، مارتشيلو ليوتا، وفرانشيسكا ماتيرا.

صدر هذا الدليل بمناسبة السنة اليوبيليّة، لذكرى مرور ثلاثمائة عام على استعادة الشركة الكاملة بين كنيسة الروم الملكيّين الكاثوليك الأنطاكيّة والكرسيّ الرسوليّ في روما، والتي تمّت عام 1724.

لقد أغني مسار البحث بالعديد من الزيارات الميدانيّة بهدف التحليل المباشر واكتشاف عناصر استقصائية جديدة، مع التعمق في دراسة الوثائق في مختلف الأرشيفات: الأرشيف الرسوليّ الفاتيكانيّ، الأرشيف المركزيّ للدولة، أرشيف الدولة في روما، مكتبة الفاتيكان الرسوليّة، الأرشيف التاريخيّ لأبرشيّة روما، أرشيف المديرية الخاصّة للآثار والفنون الجميلة في روما، أرشيف مركز دراسات تاريخ العمارة، أرشيف البازيليك، وأرشيف الصور في مكتبة هيرتزيانا.

ونعرب عن امتناننا العميق لجميع مسؤولي الأرشيفات والعاملين في كنيستنا، وبالأخص للسيد ماهر عبود على توفره المستمر في دعم نشاط الباحثين. كما امتد الجهد المبذول إلى الرغبة في جعل هذا العمل متاحاً لجمهور دوليّ، حيث يتميز المجلد بترجمة دقيقة إلى اللغة الإنجليزية قام بها السيد ريتشارد ويستال وراجعها السيد كارل أودينارد.

البروفيسورة ليا باريلي: المحرّك الملهم

أخيراً، اسمحوا لي أن أتوجه إلى البروفيسورة ليا باريلي، لأنّها لم تكن مجرد منسّقة، بل كانت المحرّك الذي لا يهدأ لهذا المشروع. لقد عرفت كيف تُشرك زملاءها بسخاء، طالبةً من كلّ واحد تقديم أفضل ما في تخصّصه لإغناء هذا الكنز. لقد نجحت في إنجاز نادر: تنسيق مجمع من الأكاديميّين رفيعي المستوى، ومواءمة خبراتهم بمثابرة ودقّة منهجيّة استثنائيّة. إن “مقياسها” العلمي الصارم، المقترن بشغف حقيقي للبحث، سمح بتحويل سنوات من الدراسات والمسوحات والتحليلات الإنشائية إلى دليل يقدّم نفسه لنا اليوم في حلّة تحريرية غنيّة ومصوّرة من دار النشر “فييلا”، لتكون في متناول الجميع بهية، تماماً مثل كنيستنا.

البابا لاون الرابع عشر و المطران يوحنا عربش و الأرشمندريت د. شحادة عبود
البابا لاون الرابع عشر و المطران يوحنا عربش و الأرشمندريت د. شحادة عبود

ختم النعمة: اللقاء مع قداسة البابا لاون الرابع عشر

ثمّة حدث أخير لا يُنسى توّج مسيرة هذا الكتاب، واضعاً ختم النعمة على سنوات من العمل الشاق: في التاسع من أيّار 2026 الماضي، في قلب دولة الفاتيكان، نلتُ شرف استقبالي في مقابلة خاصّة مع قداسة البابا لاون الرابع عشر. وفي تلك المناسبة، حظيت بامتياز تقديم مجلدات العمل، بالنسختين الإيطاليّة والإنجليزيّة، بين يديّ قداسته. لقد كانت لحظة مؤثرة بعمق أن نرى خليفة القدّيس بطرس يستقبل ثمار جهودنا بأبوّة وحنان؛ حيث توقف قداسته باهتمام حيّ يتصفّح الأوراق، معرباً عن إعجابه بالثراء التصويريّ والدقّة العلميّة التي تتجلّى في الصفحات.

دعوة للمشاركة في السر الإلهي

بعد الاحتفاء بالقيمة العلميّة والتاريخيّة لهذا العمل، أتمنى أن يصبح الجمال الذي وصفناه في هذه الصفحات تجربة حيّة لكم. لذا أدعوكم لولوج عتبة كنيستنا، ليس فقط كزوار، بل كمصلّين. ففي كلّ يوم أحد، عند الساعة 10:30 صباحاً، تفتح بازيليك القدّيسة مريم المزيّنة أحضانها للاحتفال بالليتورجيّا الإلهيّة والطقس البيزنطيّ وفق تقاليد كنيسة الروم الملكيّين الكاثوليك. ستكون فرصة لنتذوّق معاً سرّ الطقس البيزنطيّ، مسترشدين بالروح القدس: في جلال الحلل المقدّسة التي تساعد بتطريزاتها على تسبيح عظمة الله، وفي قوة الألحان التي ترتفع كالبخور بالعقل والروح نحو السماء. في ذلك المكان حيث يصير الفن صلاة، سنتمكن معاً من تأمل بهاء الحياة المسيحيّة. أنا بانتظاركم لنتشارك هذه الشذرة من الفردوس على الأرض.

شكراً لكم جميعاً، باسم صاحب الغبطة يوسف العبسيّ، بطريرك الروم الملكيّين الكاثوليك، وباسمي الشخصي، لأنكم جعلتم بازيليك القديسة مريم المزيّنة، مرة أخرى، ناصعة ومرآة لجمال الله.

الأرشمندريت د. شحادة عبود المعتمد البطريركيّ لدى الكرسيّ الرسوليّ لصاحب الغبطة يوسف العبسيّ بطريرك الروم الملكيّين الكاثوليك رئيس بازيليك القديسة مريم المزيّنة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى